الرئيسية بلوق الصفحة 50

الحصار يخنق القطاع الصحي اليمني.. انسحاب 83 شركة واختفاء 1329 دواءً يهددان حياة الآلاف

كشف متحدث وزارة الصحة في صنعاء، الدكتور أنيس الأصبحي، عن حصيلة إنسانية خطيرة للقيود المفروضة على مطار صنعاء والمنافذ اليمنية، مؤكدًا أن استمرار عرقلة حركة المرضى والإمدادات الطبية تسبب في حرمان آلاف اليمنيين من العلاج، ورفع معدلات الوفيات، ووضع عشرات الآلاف أمام خطر فقدان حياتهم.

وأوضح الأصبحي أن القيود السعودية المفروضة منذ مارس 2015 لم تقتصر على تعطيل سفر المرضى، بل امتدت إلى منع دخول أصناف دوائية ومستلزمات طبية منقذة للحياة، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع داخل المستشفيات والمراكز المتخصصة وعجزها عن تقديم الرعاية اللازمة للحالات الحرجة.

وحذّر من أن أكثر من ثمانية آلاف مريض بالفشل الكلوي يواجهون تهديدًا مباشرًا نتيجة النقص الحاد في المحاليل والمستلزمات والأدوية اللازمة لجلسات الغسيل، فيما يواجه أكثر من 120 ألف مصاب بالسرطان خطر انقطاع العلاجات الأساسية وتأخر الجرعات الدوائية والفحوصات الضرورية.

وأكد أن هذه الأرقام لا تمثل مجرد نقص في المخزون الطبي، بل تعكس تهديدًا مباشرًا لفرص الحياة؛ إذ إن مريض السرطان أو الفشل الكلوي لا يستطيع انتظار التسويات السياسية أو تأجيل علاجه حتى رفع القيود، وأي انقطاع في الدواء أو جلسات الغسيل قد يؤدي إلى مضاعفات قاتلة.

وأشار متحدث وزارة الصحة إلى أن الإجراءات المفروضة على المنافذ والمطار دفعت أكثر من 83 شركة دوائية عالمية ومحلية إلى الانسحاب من السوق اليمنية، الأمر الذي تسبب في اختفاء أو تعذر توفير نحو 1329 صنفًا دوائيًا حيويًا يعتمد عليها المصابون بالأمراض المزمنة والسرطان والفشل الكلوي وأمراض القلب والدم.

وأدى انسحاب هذه الشركات وتعقيد إجراءات الاستيراد والنقل إلى إضعاف سلاسل الإمداد الطبي وارتفاع كلفة الأدوية المتبقية، إلى جانب توقف بعض البرامج العلاجية وتراجع قدرة المنشآت الصحية على تأمين احتياجات المرضى، في بلد أنهكت الحرب والحصار بنيته الطبية والاقتصادية.

كما تسببت القيود المفروضة على مطار صنعاء في فقدان آلاف المرضى فرص السفر للعلاج في الخارج، لا سيما الحالات التي تعجز المستشفيات اليمنية عن التعامل معها بسبب نقص التجهيزات والتخصصات والأدوية. ومع حصر الرحلات في نطاق ضيق، تحولت رحلة العلاج إلى مسار شاق ومكلف لا يستطيع معظم المرضى تحمله.

وتكشف أرقام وزارة الصحة أن استهداف المنافذ لا يمكن فصله عن الحرب الاقتصادية والإنسانية التي تعرض لها اليمن؛ فالدواء الذي يُمنع من الوصول، والمريض الذي يُحرم من السفر، والمستشفى الذي يفقد مستلزماته، جميعها حلقات في حصار يستهدف حياة المدنيين بصورة مباشرة.

وترى صنعاء أن هذه المظلومية الإنسانية المتراكمة تمثل الأساس الذي استندت إليه في إعلان معادلة «الحصار بالحصار»، بعد سنوات من التحذيرات والمفاوضات التي لم تؤدِّ إلى فتح كامل لمطار صنعاء وموانئ البلاد أو إنهاء التحكم السعودي بحركة المسافرين والبضائع.

وبموجب هذه المعادلة، انتقلت صنعاء من الاحتجاج السياسي إلى فرض حظر ملاحي على السفن والناقلات والأنشطة البحرية المرتبطة بالموانئ السعودية، باعتباره وسيلة ضغط مقابلة لإجبار الرياض على إنهاء القيود المفروضة على اليمن.

وتؤكد صنعاء أن الحظر البحري ليس غاية بحد ذاته، وإنما أداة لرفع الحصار واستعادة الحقوق الإنسانية والسيادية، وأن إنهاء التصعيد يبدأ بفتح مطار صنعاء أمام مختلف الشركات والوجهات، ورفع القيود عن الموانئ، وضمان تدفق الدواء والغذاء وحرية حركة المواطنين.

وتضع هذه المعطيات السعودية أمام مسؤولية مباشرة عن النتائج الإنسانية لاستمرار الحصار، إذ لا يمكن مطالبة اليمن بالتراجع عن أوراق الضغط بينما يبقى آلاف المرضى محاصرين بين نقص الدواء واستحالة السفر، وتظل حياة مرضى السرطان والفشل الكلوي رهينة لإجراءات سياسية وعسكرية.

وبذلك تكتسب معادلة «الحصار بالحصار» بعدها الإنساني والعملياتي؛ فصنعاء تؤكد أنها لن تسمح باستمرار خنق شعبها دون كلفة مقابلة، وأن رفع القيود عن الملاحة السعودية يرتبط بإنهاء شامل للحصار المفروض على اليمن، وفتح مطاراته وموانئه وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية دون عرقلة.

مطار صنعاء شاهد على جريمة الحصار.. ملايين الضحايا وخسائر تتجاوز 4 مليارات دولار

مطار صنعاء الدولي

كشف مدير عام مطار صنعاء الدولي، خالد الشايف، عن أرقام صادمة توثق حجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي خلّفها القصف والحصار الجوي السعودي المفروض على المطار منذ عام 2015، مؤكدًا أن الشعب اليمني لن يقبل باستمرار التحكم الخارجي في حقه المشروع بالسفر أو حصر حركة الطيران في وجهة وشركة واحدة.

وأوضح الشايف أن العدوان السعودي استهل حربه على اليمن باستهداف البنية التحتية لمطار صنعاء، حيث دمّر المدرج الرئيسي وألحق أضرارًا جسيمة بصالات السفر ومنشآت المطار وملاحقه، إلى جانب تدمير المعهد والمصلّى ومرافق تفتيش الحقائب، في محاولة متعمدة لعزل العاصمة عن العالم وشلّ بوابة اليمن الجوية الرئيسية.

وبحسب البيانات التي عرضها مدير المطار، لم تتوقف تداعيات الحصار عند الخسائر المادية، بل تحولت إلى مأساة إنسانية واسعة طاولت ملايين اليمنيين، بعدما حُرم المرضى من السفر لتلقي العلاج في الخارج، وتوقفت حركة الطلاب والمغتربين، وتعطلت عملية إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية.

وأكد الشايف أن مليونًا و500 ألف مريض فقدوا حياتهم نتيجة الحصار المفروض على مطار صنعاء وعدم تمكنهم من السفر للعلاج خارج البلاد، فيما حُرم أكثر من 10 ملايين مغترب يمني من حق استخدام المطار الرئيسي لبلادهم في السفر والعودة.

وأشار إلى أن الإغلاق كان يمنع يوميًا مغادرة أكثر من 300 مريض يحتاجون إلى العلاج في الخارج، كما أدى إلى انقطاع وصول نحو 500 صنف دوائي، فضلًا عن تضرر ما يقارب خمسة آلاف طالب حُرموا من الالتحاق بجامعاتهم ومواصلة تحصيلهم العلمي خارج اليمن.

ولإيضاح حجم القيود المفروضة، كشف الشايف أن عدد المسافرين عبر أحد المطارات السعودية خلال يوم واحد يفوق إجمالي عدد المسافرين من مطار صنعاء وإليه طوال عام 2023 بأكمله، وهي مقارنة تعكس الفارق الهائل بين حركة الطيران الطبيعية وما سمحت به الرياض لليمنيين تحت وطأة الحصار.

وأوضح أن الحظر الجوي على المطار كان يُجدّد سنويًا بقرار سعودي مباشر، رغم استعداد المطار للعمل واستيفائه المتطلبات الفنية والتشغيلية. وأشار إلى أن شركات طيران دولية عدة أبدت رغبتها في تسيير رحلات إلى صنعاء، كما أكد فريق فني مصري جاهزية المطار، إلا أن التدخلات والإجراءات السعودية أفشلت الاتفاقات والتفاهمات المتعلقة باستئناف الرحلات.

وفنّد مدير المطار الذرائع التي تستخدمها الرياض لتبرير الإغلاق، مؤكدًا أن قرار مجلس الأمن رقم 2216 لا يتضمن أي نص يجيز إغلاق مطار صنعاء أو استهدافه، وأن الحصار الجوي قرار سعودي بامتياز لا يستند إلى أي غطاء قانوني دولي.

وبحسب الشايف، بلغت الخسائر المباشرة التي تعرض لها المطار بفعل العدوان السعودي نحو 160 مليون دولار، فيما تجاوزت خسائر الدمار الناجم عن العدوان الصهيوني 500 مليون دولار، لترتفع الخسائر المباشرة الناجمة عن الاستهداف إلى أكثر من 660 مليون دولار.

أما الخسائر غير المباشرة الناتجة عن إغلاق المطار وتعطيل نشاطه، فقد تجاوزت 3.5 مليارات دولار، وبذلك ترتفع الحصيلة الإجمالية المعلنة للخسائر المباشرة وغير المباشرة إلى أكثر من 4.16 مليارات دولار، من دون احتساب القيمة الإنسانية للوفيات وتعطيل العلاج والتعليم وتشتيت الأسر اليمنية.

وتكشف هذه الأرقام أن إغلاق مطار صنعاء لم يكن إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بظروف عسكرية، بل أداة حرب اقتصادية وإنسانية استُخدمت لمعاقبة الشعب اليمني جماعيًا، وإخضاع حقه في التنقل والعلاج والتعليم لقرارات وتحكم خارجي امتد لأكثر من عقد.

وأكد الشايف أن موقف الشعب اليمني واضح وحاسم، وأنه لن يقبل بحصر الرحلات الجوية في وجهة واحدة أو شركة واحدة، مشددًا على أن المطلوب هو الفتح الكامل والشامل لمطار صنعاء أمام مختلف الناقلات والوجهات الدولية، بعيدًا عن القيود والإملاءات السعودية.

وبذلك يتحول ملف مطار صنعاء إلى واحد من أبرز الشواهد على حجم المظلومية اليمنية، ويعزز مشروعية التحركات الرامية إلى كسر الحصار واستعادة السيادة على المطارات والموانئ، فحق اليمنيين في السفر والعلاج والعودة إلى وطنهم ليس منّة تُمنح من الرياض، بل حق سيادي وإنساني لا يسقط بالتقادم.

“سلاح المستوطن يرتدّ عليه”.. مواجهة تلّ تهزّ الاحتلال عقب سقوط قتلى وإصابات صهاينة وتفجّر جبهة نابلس

شهدت بلدة تلّ، جنوب غربي مدينة نابلس، واحدة من أعنف المواجهات التي اندلعت بين الفلسطينيين والمستوطنين خلال الأشهر الأخيرة، بعدما تصدى أبناء البلدة لهجوم نفذته مجموعات صهيونية مسلحة تحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال، لتتحول محاولة الاقتحام إلى اشتباك دموي أسقط شهداء فلسطينيين وقتلى وجرحى في صفوف المهاجمين.

وبدأت المواجهة عندما اقتحم مستوطنون مسلحون البلدة وشرعوا في الاعتداء على الأهالي وإطلاق النار باتجاههم، قبل أن يهبّ أبناء تلّ للدفاع عن منازلهم وأراضيهم مستخدمين الحجارة والإمكانات المتاحة، في مشهد جسّد تصاعد المقاومة الشعبية في مواجهة إرهاب المستوطنين.

واتخذت المواجهة مسارًا نوعيًا عندما تمكن شاب فلسطيني من انتزاع سلاح أحد المستوطنين وتوجيهه نحو المهاجمين، ما أوقع قتيلًا وعددًا من الجرحى في صفوفهم وأجبر بقية المجموعة على التراجع والفرار من المنطقة.

وتضاربت المعلومات الأولية بشأن حصيلة خسائر المستوطنين؛ إذ أكدت حركة حماس مقتل مستوطن وإصابة آخرين، بينما تحدثت تقارير فلسطينية وإعلام عبري عن مقتل مستوطنين اثنين وإصابة ثلاثة آخرين، قيل إن بينهم ضابطًا في جيش الاحتلال ومسؤول أمن إحدى المستوطنات. ولم تصدر حتى الآن حصيلة صهيونية نهائية توضح العدد بصورة قاطعة.

وعلى إثر انهيار هجوم المستوطنين، تدخلت قوات الاحتلال بكثافة وأطلقت نيرانها مباشرة على أبناء البلدة، ما أسفر عن استشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة أربعة آخرين، بعضهم بجروح حرجة، قبل أن تفرض طوقًا عسكريًا مشددًا على تلّ ومداخل مدينة نابلس، وتبدأ عمليات ملاحقة وتفتيش واسعة.

ونعت حركة المقاومة الإسلامية حماس شهداء البلدة، مؤكدة أن ما جرى يمثل «جريمة إعدام ميداني وجريمة حرب جديدة» تضاف إلى السجل الدموي للاحتلال، وموجّهة التحية إلى فدائي قرية تلّ الذي اغتنم سلاح أحد المهاجمين الصهاينة وقلب به مسار المواجهة.

ودعت الحركة أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية إلى تصعيد المواجهة مع الاحتلال في جميع نقاط التماس، وعدم ترك القرى والبلدات فريسة لهجمات المستوطنين، في ظل اتساع سياسة التسليح والحماية العسكرية التي توفرها حكومة العدو للعصابات الاستيطانية.

من جانبه، وجّه الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، أبو عبيدة، “تحية إجلال وإكبار إلى أهلنا المجاهدين في ضفة العياش وشبابها الثائرين”، مؤكدًا أن شباب الضفة سددوا ضرباتهم إلى الاحتلال وتصدوا لقطعان مستوطنيه من نابلس إلى جنين والقدس انتقامًا للمسجد الأقصى.

وشدّد أبو عبيدة على أن “للأقصى رجالًا يحمونه، وأن الفلسطيني لا ينام على ضيم”، محذرًا من أن تصعيد الاحتلال لعدوانه لن يجلب عليه إلا الويلات، وداعيًا أبناء الشعب الفلسطيني وعشائره وشرفاء الأجهزة الأمنية إلى الهبّة دفاعًا عن المقدسات والأعراض والأرض.

وأكد أن “معركة شعبنا الحقيقية مع الاحتلال هي في الضفة المحتلة”، معربًا عن ثقته بأن اشتعال المواجهة هناك سيكون مفتاحًا للنصر الكامل على الاحتلال، في رسالة تعكس الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها الضفة في توسيع رقعة المقاومة ومحاصرة الكيان من داخله.

وأصابت مواجهة تلّ المؤسسة الأمنية والسياسية الصهيونية بحالة من الارتباك، بعدما تحولت عملية اقتحام استيطانية إلى ضربة مباشرة للمهاجمين. وعلى الفور، فرض جيش الاحتلال حصارًا على مدينة نابلس وبلدة تلّ، ودفع بخمس سرايا عسكرية إضافية إلى محيط مستوطنة «حفات جلعاد» والمناطق المجاورة.

وعقد رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو اجتماعًا أمنيًا عاجلًا مع وزير الحرب يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير لبحث تداعيات المواجهة وسبل الرد عليها، متوعدًا باتخاذ إجراءات مشددة لمنع تكرار عمليات مماثلة في الضفة الغربية.

وكعادتها، لجأت حكومة الاحتلال إلى التهديد بالعقاب الجماعي بدلًا من وقف إرهاب المستوطنين؛ إذ دعا وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير إلى هدم منازل الفلسطينيين، فيما طالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بإقامة مستوطنة جديدة قرب موقع المواجهة وفرض عقوبات واسعة على القرى الفلسطينية المحيطة.

وتكشف هذه الدعوات أن الاحتلال يسعى إلى استغلال المواجهة لتوسيع الاستيطان وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، في وقت يتجاهل حقيقة أن المستوطنين هم من بدأوا الهجوم مسلحين وتحت حماية جيشه، وأن أبناء البلدة مارسوا حقهم الطبيعي في الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم.

وتأتي مواجهة تلّ في ظل تصاعد منظم لاعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية، بالتوازي مع الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى وعمليات القتل والاعتقال في الضفة. غير أن اغتنام سلاح أحد المهاجمين وقلبه ضدهم بعث رسالة واضحة مفادها أن القرى الفلسطينية لن تبقى ساحة مستباحة، وأن كل اعتداء صهيوني قد يتحول إلى مواجهة ترتد نيرانها على الاحتلال ومستوطنيه.

خارجية صنعاء ترد على المبعوث الأممي: قلقٌ على موانئ السعودية وصمتٌ عن حصار اليمن منذ 12 عامًا

وزارة الخارجية والمغتربين

انتقدت وزارة الخارجية والمغتربين في صنعاء موقف المبعوث الأممي بشأن الإجراءات اليمنية الهادفة إلى كسر الحصار، مؤكدةً أن إبداء القلق من فرض الحظر على موانئ النظام السعودي، مقابل تجاهل الحصار المفروض على اليمن منذ نحو 12 عامًا، يكشف اختلالًا واضحًا في أداء الأمم المتحدة وانحيازًا لمصلحة الطرف المعتدي.

وقالت الوزارة إن المبعوث الأممي عبّر عن قلقه من الخطوات التي اتخذتها صنعاء لانتزاع حقوق الشعب اليمني، لكنه لم يُظهر قلقًا مماثلًا إزاء استمرار إغلاق المطارات والموانئ وعرقلة دخول السلع والاحتياجات الأساسية، وما ترتب على ذلك من معاناة إنسانية واقتصادية واسعة.

وأضافت أن المبعوث الأممي “ربما نسي أنه مبعوث إلى اليمن وليس إلى السعودية، حتى يبدي قلقه على محاصرة موانئها ويتجاهل حصار الشعب اليمني”، معتبرةً أن مثل هذه المواقف تمنح النظام السعودي غطاءً سياسيًا للاستمرار في جرائمه، وتعمل على تغييب أصل الأزمة وتصوير الإجراءات اليمنية المشروعة وكأنها سبب التصعيد.

وأكدت الخارجية أن لليمن الحق المشروع والكامل في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لرفع الحصار الظالم، مشددةً على أن صنعاء لن تقبل باستمرار المعايير المزدوجة التي تمنح المعتدي حرية حصار اليمن وتجويع أبنائه، ثم تستنفر بمجرد أن تنتقل تداعيات الحصار إلى موانئه ومصالحه الاقتصادية.

وأوضحت أن الخروج المليوني للشعب اليمني منح الجيش تفويضًا شعبيًا واضحًا بفرض الحصار على موانئ النظام السعودي حتى رفع الحصار عن اليمن، في إطار معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.

ويؤكد موقف الخارجية أن الطريق إلى إنهاء الإجراءات اليمنية واضح، ويتمثل في رفع الحصار عن اليمن، وفتح مطاراته وموانئه، وإنهاء القيود المفروضة على حركة أبنائه وتجارتهم، وأن استمرار الرياض في سياسة الحصار سيقابله توسيع للضغط على مصالحها وموانئها حتى استعادة اليمن كامل حقوقه المشروعة.

صنعاء تحذّر من تفجير الضفة والأقصى: الصمت الدولي شراكة في الجريمة واليمن ثابت في معركة الإسناد

حذّرت صنعاء كيان العدو الصهيوني من التداعيات الخطيرة لمواصلة جرائمه في الضفة الغربية وتصعيد انتهاكاته بحق المسجد الأقصى المبارك، مؤكدة أن هذه السياسات العدوانية لا تستهدف فرض أمر واقع فحسب، بل تمهّد لتنفيذ مخططات أشد خطورة تطاول هوية الأقصى ومكانته الإسلامية وتهدد بإشعال المنطقة بأسرها.

وأكدت وزارة الخارجية والمغتربين أن الجرائم التي ترتكبها عصابات المستوطنين بحق أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية تستدعي موقفًا عربيًا وإسلاميًا واضحًا وحازمًا، مشددة على أن استمرار الصمت الدولي إزاء هذه الممارسات الوحشية يكشف حالة التواطؤ التي يتمتع في ظلها كيان الاحتلال بالحماية والغطاء السياسي.

ووجّهت الوزارة تحذيرًا مباشرًا إلى رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو من توسيع دائرة الاستهداف في الضفة الغربية المحتلة، محمّلة إياه وكيانه المسؤولية عن نتائج التصعيد الميداني وسياسات القتل والتهجير والاستيطان التي تستهدف الأرض والإنسان والمقدسات.

وأوضحت أن الانتقائية وازدواجية المعايير في تطبيق القوانين والمواثيق الدولية تُسقطان ما تبقى من شرعية لهذه المنظومة، بعدما تحولت إلى أداة تستخدم لحماية المجرمين ومعاقبة الضحايا، بينما تُعطّل كلما تعلق الأمر بجرائم الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني.

وجدّدت وزارة الخارجية موقف اليمن الثابت إلى جانب فلسطين ومقاومتها، مؤكدة للشعب الفلسطيني وقواه المجاهدة: «نحن إلى جانبكم، ولن نترككم، وهذا عهد قطعناه على أنفسنا»، في تأكيد على أن الموقف اليمني يتجاوز حدود البيانات السياسية إلى الالتزام العملي المتواصل بمعركة الإسناد.

من جانبه، أدان المكتب السياسي لأنصار الله الانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها المسجد الأقصى المبارك، وفي مقدمتها الاقتحامات المتوالية التي نفذها أكثر من أربعة آلاف مستوطن صهيوني بقيادة وزير الأمن القومي في حكومة العدو إيتمار بن غفير، وتحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال.

وأكد المكتب السياسي أن تصاعد الاقتحامات يكشف عن سلوك صهيوني ممنهج لا يقتصر على الاستفزاز أو محاولة فرض التقسيم الزماني والمكاني، بل يمهّد لخطوات أكثر خطورة تستهدف المسجد الأقصى وهويته الإسلامية، بما يجعل العدو مسؤولًا بصورة كاملة عن النتائج المترتبة على هذه السياسات العدوانية.

وشدّد على أن استهداف المسجد الأقصى لن تبقى تداعياته محصورة داخل فلسطين المحتلة، بل سينعكس على المنطقة بأسرها، باعتبار الأقصى قضية مركزية للأمة ومقدسًا إسلاميًا لا يمكن فصل العدوان عليه عن الصراع الشامل مع المشروع الصهيوني.

وأشار المكتب السياسي إلى أن أكثر ما يضاعف آلام الشعب الفلسطيني هو التخاذل العربي والإسلامي، وصمت الأنظمة الرسمية، والسلوك الخياني لبعض حكام الأمة الذين انسلخوا عن الدين والمروءة وارتهنوا للمشروعين الأمريكي والصهيوني، واختاروا التطبيع وحماية مصالح العدو بدلًا من نصرة فلسطين ومقدساتها.

وحمّل الولايات المتحدة، إلى جانب المجتمع الدولي ومؤسساته، مسؤولية استمرار الجرائم الصهيونية، نظرًا لما توفره واشنطن من غطاء سياسي وعسكري وأمني للاحتلال، وما تمنحه المؤسسات الدولية من حصانة عملية لقادته عبر الاكتفاء ببيانات الإدانة دون اتخاذ إجراءات رادعة.

ودعا المكتب السياسي لأنصار الله الشعوب العربية والإسلامية والعلماء والنخب والمؤسسات وأحرار العالم إلى مغادرة دائرة الإدانات اللفظية والانتقال إلى مواقف عملية ومسؤولة، من خلال تصعيد الحراك الشعبي، وتفعيل المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية، وممارسة الضغط لعزل كيان العدو وإسناد الشعب الفلسطيني والدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسات.

وأكد أن اليمن ماضٍ في نصرة فلسطين وشعبها والدفاع عن المقدسات الإسلامية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، وأن جرائم الاحتلال وتواطؤ داعميه لن يدفعا صنعاء إلى التراجع عن موقفها، بل سيعززان حضورها في معركة الإسناد حتى وقف العدوان وإنهاء الاحتلال واستعادة الحقوق الفلسطينية.

تحقيق لنيويورك تايمز: الضربات الإيرانية أصابت تسعة مواقع أمريكية وكشفت دقة الاستهداف

كشفت صحيفة “نيويورك تايمز”، استنادًا إلى تحقيق بصري وتحليل صور الأقمار الصناعية والمقاطع الميدانية، أن الضربات الإيرانية التي نُفذت خلال الأسبوعين الأخيرين ألحقت أضرارًا واضحة بما لا يقل عن تسعة مواقع مرتبطة بالقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، وطاولت منشآت سكنية وعملياتية، وحظائر للطائرات المسيّرة، وأنظمة رادار ومنشآت عسكرية أخرى.

وخلص التحقيق إلى أن إيران لا تزال تمتلك القدرة على إصابة أهداف عسكرية محددة بدقة، رغم الغارات الأمريكية المتواصلة والتصريحات التي تزعم إضعاف القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية. وأظهرت المواد التي حللتها الصحيفة أن آثار الهجمات لم تكن محصورة في محيط القواعد، بل ظهرت داخل مواقع عسكرية حساسة وفي منشآت مرتبطة بالعمل الدفاعي والعملياتي الأمريكي.

واعتمدت الصحيفة في تحقيقها على صور أقمار صناعية إيرانية، إلى جانب مقاطع مصورة من مواقع الاستهداف وصور التقطتها أقمار تابعة لوكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” ووكالة الفضاء الأوروبية. وعملت على مطابقة توقيتات الصور ومعالم المواقع وحجم الأضرار لتحديد المنشآت التي تعرضت للإصابة.

وأشارت إلى أن الحكومة الأمريكية طلبت حجب أو تشويش بعض صور الأقمار الصناعية للمواقع العسكرية، بذريعة حماية القوات الأمريكية وأمنها العملياتي، وهو ما حدّ من إمكانية الوصول إلى صور تجارية واضحة بعد بعض الهجمات. ومع ذلك، مكّنت المواد الإيرانية والصور الفضائية المتاحة الصحيفة من توثيق جانب مهم من الأضرار.

ورفضت وزارة الدفاع الأمريكية تقديم تفسير تفصيلي لما ظهر في الصور، وقال متحدث باسمها إن الوزارة “تمتنع لأسباب تتعلق بالأمن العملياتي عن التعليق على صور الأقمار الصناعية”. كما أحجمت عن كشف معلومات إضافية بشأن الضربة التي استهدفت قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، بحجة استمرار التحقيق.

وأظهر تحليل الصور الخاصة بقاعدة موفق السلطي الجوية تدمير حظيرة طائرات داخل المطار العسكري، ورجّحت الصحيفة أن تدميرها وقع بين يومي الأربعاء والجمعة. كما أظهرت صور فضائية إيرانية تعرض ما لا يقل عن 20 منشأة داخل القاعدة لأضرار متفاوتة.

وشملت الأضرار، وفق التحقيق، مساكن ومواقع عمل ومنشآت دعم عملياتي، ما يؤكد وصول المقذوفات الإيرانية إلى مناطق مستخدمة فعليًا من القوات الأمريكية، وليس إلى مساحات خالية أو أطراف القاعدة فقط. وكانت القاعدة نفسها قد تعرضت لضربات إيرانية خلال الجولة السابقة من الحرب، قبل أن تعاود طهران استهدافها في موجة التصعيد الأخيرة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول عسكري أمريكي أن نحو عشرة جنود أمريكيين أُصيبوا في الهجمات الإيرانية التي استهدفت مواقع مختلفة بالمنطقة خلال يوليو/تموز، ونُقلوا جوًا إلى مركز طبي عسكري أمريكي في ألمانيا للحصول على علاج تخصصي.

والمقصود هو على الأرجح مركز لاندشتول الطبي الإقليمي، الذي يُعد أبرز منشأة أمريكية لاستقبال الجنود المصابين إصابات خطيرة خارج الولايات المتحدة. ويشير نقلهم إلى ألمانيا إلى أن حالاتهم احتاجت إلى مستوى من الرعاية يتجاوز إمكانات المراكز الطبية القريبة من ساحات العمليات.

وجاء هؤلاء ضمن قرابة 100 عسكري أمريكي أصيبوا بدرجات مختلفة منذ 7 يوليو/تموز، وفق اعتراف لاحق لوزارة الدفاع الأمريكية. وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل إن 96% من المصابين عادوا إلى الخدمة، وإن غالبية الإصابات صُنفت على أنها ارتجاجات خفيفة، إلا أن نقل مجموعة منهم إلى ألمانيا يكشف وجود إصابات أكثر خطورة.

ولم يكشف التحقيق أسماء المصابين أو المواقع التي أصيب فيها كل واحد منهم، كما لم يقدم تفاصيل طبية دقيقة عن حالاتهم، وهو أمر معتاد في بيانات الجيش الأمريكي المتعلقة بالجنود الجرحى. لذلك فإن القول إن جميع الجنود المنقولين إلى ألمانيا تعرضوا لإصابات خطيرة في الرأس ليس مؤكدًا بالنص المتاح؛ المؤكد أن معظم الحصيلة العامة كانت إصابات ارتجاجية، وأن نحو عشرة مصابين احتاجوا إلى النقل للعلاج في ألمانيا.

وفي الكويت، وثقت الصحيفة أضرارًا في قاعدة أحمد الجابر الجوية، حيث أظهرت الصور الإيرانية إصابة منظومة رادارية داخل القاعدة. وتكتسب هذه الإصابة أهمية عسكرية لأنها تشير إلى أن الضربات الإيرانية لم تستهدف الأبنية العامة فقط، بل ركزت على عناصر مرتبطة بالمراقبة والإنذار والدفاع الجوي.

كما أظهر التحقيق أضرارًا محدودة نسبيًا داخل قاعدة علي السالم الجوية في الكويت. ورغم أن حجم الضرر الظاهر كان أقل من الأضرار المسجلة في مواقع أخرى، فإن وصول الهجمات إلى أكثر من قاعدة في الدولة نفسها يعكس اتساع قائمة الأهداف التي استطاعت إيران مهاجمتها.

وفي العراق، أظهرت الصور تدمير خيمة عسكرية أمريكية داخل مطار أربيل الدولي، ضمن الأضرار التي سجلها التحقيق في المواقع المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي. ويشير توزع الإصابات بين الأردن والكويت والعراق إلى أن الهجمات الإيرانية نُفذت على نطاق إقليمي، ولم تتركز في جبهة واحدة.

ويرى التحقيق أن مجمل الأضرار في المواقع التسعة يقدم دليلًا على احتفاظ إيران بقدرة على تحديد مواقع عسكرية حساسة ومهاجمتها، بما في ذلك المنشآت المرتبطة بالطائرات المسيّرة والرادارات والعمل الميداني. وهذا يناقض الصورة التي حاولت واشنطن تقديمها عن تراجع القدرات الإيرانية بصورة حاسمة تحت وطأة الغارات.

ويتقاطع التحقيق البصري مع تقرير سابق للصحيفة كشف أن البنتاغون لم يعلن في حينه عن عشرات الإصابات وثلاث هجمات إيرانية استهدفت مواقع أمريكية في الأردن. وبرر مسؤول عسكري أمريكي ذلك بأن الوزارة ليست ملزمة بإعلان كل إصابة، ولا سيما عندما يعود المصابون سريعًا إلى الخدمة.

كما قال المسؤول إن الجيش توقف عن إعلان المواقع التي تصيبها إيران يوميًا، بدعوى أن كشفها قد يمنح طهران معلومات تساعدها في تقييم دقة هجماتها وتصحيح عمليات الاستهداف اللاحقة. غير أن هذا التبرير أثار اتهامات للبنتاغون بحجب الخسائر وتقليل حجم نتائج الضربات الإيرانية أمام الرأي العام الأمريكي.

وبعد نشر التقرير، هاجم المتحدث باسم البنتاغون الصحيفة واتهمها بنشر ادعاءات لا أساس لها، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن قرابة 100 جندي أصيبوا منذ 7 يوليو. ولم يقدم ردًا مباشرًا يفنّد تفاصيل الهجمات الثلاث غير المعلنة أو يشرح سبب غياب الإصابات عن قاعدة بيانات الخسائر خلال الأيام السابقة.

وبذلك يكشف تحقيق “نيويورك تايمز” مسارين متوازيين: الأول يتمثل في قدرة إيران على إصابة مواقع أمريكية موزعة في عدة دول وإلحاق أضرار بمنشآت ذات قيمة عملياتية، والثاني يتعلق بمحاولة المؤسسة العسكرية الأمريكية التحكم في المعلومات المنشورة عن الخسائر البشرية والمادية.

والخلاصة الأبرز في التحقيق أن الهجمات الإيرانية لم تكن عشوائية أو عديمة الأثر، بل أصابت مساكن عسكرية، ومواقع عمل، وحظائر للمسيّرات، وأنظمة رادارية ومنشآت داخل تسعة مواقع مرتبطة بالولايات المتحدة، وأدت إلى نقل نحو عشرة مصابين إلى ألمانيا، بينما اضطر البنتاغون لاحقًا إلى الاعتراف بإصابة قرابة 100 عسكري خلال نحو أسبوعين.

ترامب يضع البرنامج النووي السعودي على بوابة التطبيع.. اتفاق الطاقة يتحول إلى ورقة ابتزاز سياسي

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ربط مستقبل التعاون النووي المدني بين واشنطن والرياض بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام والتطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، في تحول أعاد البرنامج النووي السعودي من مسار التعاون الفني والطاقة إلى دائرة المقايضات السياسية الأمريكية في المنطقة.

وأكد ترامب أن الاتفاق النووي المدني مع السعودية لن يدخل حيز التنفيذ إلا في حال انضمام الرياض إلى اتفاقيات أبراهام، موضحاً أن المشروع سيقتصر على الاستخدامات المدنية، ولن يسمح بتخصيب المواد النووية. كما أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن الاتفاق سيكون ملغى إذا لم توافق السعودية على التطبيع.

وجاء الشرط الجديد بعد يوم واحد من إعلان واشنطن والرياض التوصل إلى اتفاق تعاون نووي مدني يتيح استخدام التكنولوجيا الأمريكية في بناء المفاعلات السعودية، في صفقة تمتد لعقود، لكنها لا تزال بحاجة إلى المرور بالمراجعات القانونية والتشريعية داخل الولايات المتحدة قبل أن تصبح نافذة. وسيكون أمام الكونغرس 90 يوماً تشريعياً لمراجعة الاتفاق، ما يفتح الباب أمام اعتراضات أو تعديلات قد تؤخر تنفيذه أو تعرقل تمريره.

ويكشف الموقف الأمريكي الجديد أن واشنطن تنظر إلى الطموح النووي السعودي باعتباره أداة ضغط لإجبار الرياض على تقديم مكسب استراتيجي للاحتلال الإسرائيلي، وليس مجرد مشروع للطاقة أو نقل التكنولوجيا. فبعد أن فصلت إدارة ترامب في مرحلة سابقة بين مفاوضات التعاون النووي وملف التطبيع، أعادت الآن جمع المسارين، وربطت حصول السعودية على الاتفاق بتحقيق أحد أبرز الأهداف الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

ويضع هذا التحول القيادة السعودية أمام خيار بالغ الحساسية: إما القبول بالتطبيع العلني وما يحمله من كلفة سياسية وشعبية في ظل استمرار الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، أو المجازفة بتجميد مشروع نووي تسعى إليه الرياض منذ سنوات لتنويع مصادر الطاقة وتوفير مزيد من النفط للتصدير.

ولا تزال الصفقة تواجه اعتراضات داخل الولايات المتحدة تتعلق بضمانات عدم الانتشار النووي، وآليات الرقابة على تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك. ويخشى مشرعون وخبراء أمريكيون من أن يؤدي منح الرياض تقنيات نووية حساسة من دون قيود صارمة إلى فتح باب سباق تسلح نووي في المنطقة، خصوصاً أن السعودية رفضت سابقاً الالتزام بما يسمى «المعيار الذهبي» الذي يمنع التخصيب المحلي وإعادة المعالجة.

ويمكن قراءة توقيت الشرط ضمن سياسة أمريكية أوسع تقوم على استخدام ملفات السلاح والطاقة والتكنولوجيا والحماية الأمنية للضغط على السعودية ودفعها إلى مزيد من الانخراط في الأجندة الأمريكية الإسرائيلية. وفي ظل تصاعد المواجهة البحرية مع اليمن، قد تسعى واشنطن إلى توظيف الاتفاق النووي ضمن حزمة ضغوط تتجاوز التطبيع، وتشمل مواقف الرياض من الحرب الإقليمية وأمن البحر الأحمر والعلاقة مع إيران.

كما أن اشتراط التطبيع بعد الإعلان عن الاتفاق يكشف هشاشة الوعود الأمريكية المقدمة للسعودية، إذ تستطيع واشنطن في كل مرحلة إضافة شروط جديدة أو ربط تنفيذ الصفقة بملفات سياسية وأمنية لا علاقة مباشرة لها بالطاقة النووية. وبذلك يتحول الاتفاق من مشروع شراكة متكافئة إلى ورقة ابتزاز طويلة الأمد يبقى تنفيذها مرهوناً بمدى استعداد الرياض لتلبية المطالب الأمريكية.

وفي المحصلة، لم يُلغ الاتفاق النووي السعودي الأمريكي بعد، لكنه دخل مرحلة أكثر تعقيداً بعدما وضعه ترامب على بوابة التطبيع مع الاحتلال. وباتت الرياض أمام معادلة تكشف طبيعة العلاقة غير المتكافئة مع واشنطن: الحصول على التكنولوجيا النووية مشروط بتقديم تنازل سياسي واستراتيجي لمصلحة إسرائيل، بينما تبقى المخاوف التشريعية والرقابية داخل الولايات المتحدة قادرة على تعطيل الاتفاق حتى في حال قبول السعودية بالشروط الأمريكية.

الأقصى تحت الاقتحام الرسمي.. الاحتلال يدفع نحو حرب دينية والمقاومة تحذر من انفجار المواجهة وإدانات واسعة

اقتحام الأقصى

لم يكن اقتحام أكثر من أربعة آلاف مستوطن للمسجد الأقصى المبارك مجرد حلقة جديدة في سلسلة الاعتداءات الصهيونية، بل جاء بوصفه عملية سياسية وأمنية منظمة تقودها حكومة الاحتلال، بهدف نقل مشروع تهويد المسجد من الاقتحامات الموسمية إلى فرض واقع ديني وقانوني جديد، تحت حماية السلاح وبمشاركة وزراء وأعضاء في الكنيست وقادة جماعات “الهيكل” المتطرفة.

وبحسب محافظة القدس، اقتحم 4248 مستوطنًا باحات المسجد الأقصى، يتقدمهم وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير، وعدد من أعضاء الكنيست والحاخامات وقادة المنظمات الاستيطانية، وسط انتشار عسكري كثيف وإجراءات هدفت إلى إفراغ المسجد من المصلين الفلسطينيين، وتأمين المساحة والوقت للمقتحمين كي يؤدوا طقوسهم التلمودية بحرية.

وتكشف هوية المشاركين وطبيعة الحماية المقدمة لهم أن ما جرى لم يعد نشاطًا هامشيًا لجماعات متطرفة، بل تحول إلى سياسة رسمية تتبناها مؤسسات الاحتلال، وتعمل من خلالها على تقويض الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى، وتكريس التقسيم الزماني والمكاني، وصولًا إلى فرض ما تسميه “السيادة الإسرائيلية” على كامل الحرم القدسي.

ومن داخل المسجد الأقصى، أعلن بن غفير أن “اليهود أصبحوا يصلّون الآن في جبل الهيكل كما لم يكن في السابق”، في تصريح يكشف بوضوح الهدف الحقيقي من الاقتحام، ويؤكد أن حكومة الاحتلال لا تتعامل معه بوصفه زيارة دينية، بل باعتباره خطوة متقدمة في مشروع انتزاع المسجد الأقصى من هويته العربية والإسلامية وتحويل الانتهاكات المتدرجة إلى أمر واقع تحرسه القوة العسكرية.

وسبقت الاقتحام حملات تحريض وحشد واسعة قادتها جماعات “الهيكل المزعوم”، التي وضعت هدفًا يتمثل في إدخال خمسة آلاف مستوطن إلى المسجد خلال يوم واحد. ورافقت العملية إجراءات أمنية غير مسبوقة، شملت تشديد الحواجز على أبواب الأقصى ومداخل البلدة القديمة، ومنع أعداد كبيرة من الفلسطينيين من الوصول إليه، والاعتداء على عدد من المصلين الذين تمكنوا من أداء صلاة الفجر.

ومارست مجموعات المستوطنين داخل باحات المسجد طقوسًا تلمودية علنية، شملت ارتداء لفائف “التفلين” وأداء ما يسمى “السجود الملحمي” وترديد الأغاني والصلوات بصوت مرتفع، فيما نصبت شرطة الاحتلال مظلة خاصة بهم في الساحة الشرقية، في سابقة وُصفت بأنها خطوة إضافية نحو قضم مساحة من المسجد وتخصيصها للطقوس اليهودية.

كما رسم مستوطنون شعارًا تهويديًا تستخدمه جماعات “الهيكل” على حجارة الساحة الشرقية، في اعتداء يستهدف هوية المكان وقدسيته، ويؤكد أن المخطط يتجاوز زيادة أعداد المقتحمين إلى إعادة تشكيل المشهد داخل الأقصى وتهيئة الأرضية لفرض التقسيم المكاني تدريجيًا.

وتشير الزيادة المتصاعدة في أعداد المقتحمين إلى مسار منظم؛ إذ ارتفع العدد من نحو 2200 مستوطن خلال عامي 2022 و2023، إلى ثلاثة آلاف عام 2024، ونحو أربعة آلاف عام 2025، قبل أن يتجاوز 4248 مقتحمًا هذا العام. ولا تعكس هذه الأرقام توسعًا عدديًا فحسب، بل تكشف انتقال المشروع الصهيوني من اختبار ردود الفعل إلى تثبيت حضور ديني وسياسي دائم داخل المسجد.

وبالتزامن مع استباحة الأقصى، صعّد الاحتلال والمستوطنون عدوانهم في الضفة الغربية، حيث استُشهد فلسطينيان وأُصيب آخرون برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين في بلدة بيت فوريك شرق نابلس، أثناء محاولة الأهالي إخماد حرائق أُضرمت في أراضيهم الزراعية وامتدت باتجاه المنازل. كما استُشهد فلسطيني ثالث برصاص الاحتلال قرب موقع عسكري شمال الضفة، وسط رواية إسرائيلية أحادية زعمت تنفيذه عملية طعن.

ويعكس تزامن سفك الدم الفلسطيني في الضفة مع تدنيس المسجد الأقصى وحدة المشروع الاستعماري الصهيوني، الذي يجمع بين القتل والاستيطان ومصادرة الأرض وتهويد المقدسات، في محاولة لكسر إرادة الفلسطينيين وفرض واقع بالقوة قبل تسويقه بوصفه حقيقة دينية أو قانونية جديدة.

وفي مقدمة ردود المقاومة الفلسطينية، استنكرت حركة المقاومة الإسلامية حماس الاقتحامات الواسعة التي نفذها آلاف المستوطنين بمشاركة بن غفير ومسؤولين في حكومة الاحتلال والكنيست وعدد من الحاخامات، ووصفتها بأنها “عدوان سافر وتصعيد خطير يستهدف تهويد المسجد الأقصى وتكريس السيطرة الكاملة على القدس ومقدساتها”.

ودعت حماس أبناء الشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية والداخل المحتل إلى مواصلة النفير وشد الرحال إلى الأقصى وتعزيز الرباط والحضور الدائم في باحاته، باعتبار ذلك خط الدفاع الأول في مواجهة مخطط التهويد. كما طالبت الدول العربية والإسلامية ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية بتحمل مسؤولياتها السياسية والدينية، واتخاذ خطوات عملية وعاجلة لحماية المسجد الأقصى وعدم الاكتفاء بالإدانة والاستنكار.

وأكدت الحركة أن الاحتلال لن ينجح في فرض واقع تهويدي أو انتزاع المسجد الأقصى من هويته العربية والإسلامية، محذرةً من أن استمرار العدوان على القدس والمقدسات يفتح الباب أمام تصعيد شامل تتحمل حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تداعياته.

كما أدانت حركة المجاهدين الفلسطينية “التصعيد الصهيوني الخطير” والاقتحامات الواسعة التي نفذها آلاف المستوطنين تحت حماية قوات الاحتلال، وعدّت مشاركة بن غفير وأداء الطقوس التلمودية داخل باحات الأقصى “عدوانًا سافرًا ومحاولة لفرض واقع تهويدي جديد في المسجد المبارك”.

وعلى مستوى الموقف الرسمي الفلسطيني، أدانت الرئاسة الفلسطينية اقتحام المستوطنين وأداء الطقوس التلمودية، معتبرةً ذلك “انتهاكًا صارخًا للوضع التاريخي والقانوني القائم”، ومحذرةً من سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة وتقسيم المسجد زمانيًا ومكانيًا.

وأكدت الرئاسة أن المسجد الأقصى بكامل مساحته البالغة 144 دونمًا مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن “لا سيادة للاحتلال الإسرائيلي على مدينة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية”، مطالبةً المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم يلزم الاحتلال بوقف انتهاكاته وإجراءاته الأحادية في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأدانت وزارة الخارجية الفلسطينية اقتحام آلاف المستوطنين تحت الحماية العسكرية المباشرة والمشددة، وحذرت من مخططات الاحتلال الرامية إلى تقويض الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى وفرض وقائع تهويدية جديدة، مؤكدةً أن ما جرى يمثل امتدادًا لسياسة إسرائيلية رسمية تستهدف تغيير هوية القدس ومقدساتها.

كما أدانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية اقتحام بن غفير وآلاف المستوطنين، واعتبرته انتهاكًا صارخًا لحرمة المقدسات الإسلامية وتعديًا خطيرًا على الوضع التاريخي والقانوني القائم، محذرةً من أن استغلال المناسبات اليهودية لتكثيف الاقتحامات وأداء الطقوس التلمودية يأتي ضمن مخطط ممنهج لفرض التقسيم الزماني والمكاني أمرًا واقعًا.

وأكد إمام وخطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري أن اقتحام بن غفير يهدف إلى الادعاء بأن حكومة الاحتلال تملك السيادة على المسجد، مشددًا على أن “الاقتحامات لن تمنح الإسرائيليين أي حق مهما طال الزمن”.

وعربيًا، تصدرت صنعاء المواقف المنددة بالاعتداء، إذ أدانت وزارة الخارجية والمغتربين اقتحام آلاف المستوطنين للمسجد الأقصى، وعدّت ذلك انتهاكًا سافرًا للقانون الدولي ولحرمة المسجد واستفزازًا لمشاعر أكثر من ملياري مسلم في مختلف أنحاء العالم.

وأكدت خارجية صنعاء أن الأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومن أقدس مقدسات المسلمين، وأن الدفاع عنه وعن القضية الفلسطينية واجب ديني وأخلاقي على الأمة الإسلامية، مشددةً على أن “المخططات الإسرائيلية مصيرها البوار والخسران المبين”.

ويعكس موقف صنعاء ثبات اليمن إلى جانب الشعب الفلسطيني ومقدساته، ووضع الاعتداء على الأقصى في سياق المعركة المفتوحة مع المشروع الصهيوني، لا باعتباره شأنًا فلسطينيًا داخليًا يمكن احتواؤه ببيانات موسمية، خصوصًا أن صنعاء ترجمت موقفها الداعم لفلسطين إلى إسناد عملي ومواجهة مباشرة مع الاحتلال وحماته.

كما أدانت الأردن اقتحام بن غفير وأعضاء الكنيست والمستوطنين، وما رافقه من اعتداءات على المصلين ورفع أعلام الاحتلال وإطلاق دعوات تحريضية، ووصفت ما حدث بأنه “تصرف همجي وتدنيس لحرمة المسجد واستفزاز غير مقبول” وانتهاك صارخ للوضع التاريخي والقانوني، مؤكدةً أن المسجد الأقصى بكامل مساحته مكان عبادة خالص للمسلمين.

وأدانت مصر بأشد العبارات اقتحام بن غفير وأعضاء الكنيست وآلاف المستوطنين للمسجد الأقصى، معتبرةً ذلك انتهاكًا صارخًا للوضع التاريخي والقانوني القائم، ومحذرةً من خطورة استمرار الممارسات الرامية إلى تقويض مكانة المسجد وفرض حقائق جديدة بالقوة داخل القدس المحتلة.

بدورها، أدانت جامعة الدول العربية الاقتحامات الواسعة، وعدّتها تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا مباشرًا للوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى، محملةً كيان الاحتلال، بصفته القوة القائمة بالاحتلال، المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذه الانتهاكات، ومحذرةً من أن استمرار العبث بالأقصى يمكن أن يدفع المنطقة إلى مواجهة دينية واسعة لا يمكن احتواء نتائجها.

وتكشف مجمل الوقائع أن الخطر لم يعد محصورًا في عدد المقتحمين، بل في تحويل الاقتحام إلى أداة سيادية رسمية تستخدمها حكومة الاحتلال لإعادة تعريف هوية المسجد وتغيير قواعد الدخول والعبادة داخله. فكل طقس يُفرض بحماية الجنود، وكل مساحة تُخصص للمستوطنين، وكل مصلٍّ فلسطيني يُمنع من الوصول، يمثل حلقة في مشروع متدرج يراد له أن ينتهي بتقسيم الأقصى تمهيدًا للسيطرة عليه.

وبينما تواصل عواصم عربية وإسلامية إصدار بيانات الإدانة، يمضي الاحتلال في تحويل الغطاء الأمريكي والصمت الدولي إلى قوة دفع لمشروعه التهويدي. وأمام هذا المسار، يبرز موقف المقاومة الداعي إلى تجاوز لغة الاستنكار نحو تحرك فعلي يرفع كلفة الاعتداء على الأقصى، لأن حماية القدس لا تتحقق بالمناشدات وحدها، ولأن المساس بالأقصى ليس حدثًا عابرًا، بل اعتداء على الأمة ومقدساتها يستوجب موقفًا عمليًا بمستوى الخطر.

ماذا لو أغلق باب المندب إلى جانب هرمز؟.. سيناريو العدوان الأمريكي الذي يخنق شرايين الطاقة ويضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة تاريخية

باب المندب و مضيق هرمز

“خاص”

لم تعلن القوات المسلحة اليمنية فرض الحظر البحري على الملاحة المرتبطة بالسعودية بوصفه خطوة منفصلة عن سياق الحرب، بل قدمته باعتباره رداً مباشراً على حصار ممتد منذ سنوات، وعلى استمرار إغلاق المطارات والموانئ وحرمان اليمنيين من السفر والعلاج واستيراد احتياجاتهم والتصرف بثرواتهم الوطنية. وجاء القرار تحت معادلة واضحة أعلنتها صنعاء: “الحصار بالحصار”، بعد أن اعتبرت أن الرياض لم تتعامل مع مرحلة خفض التصعيد باعتبارها طريقاً نحو السلام، بل استخدمتها لتثبيت القيود الاقتصادية ومواصلة التحكم بحركة الطيران والموانئ والصادرات اليمنية.

وتصاعد الموقف بعد استهداف السعودية مطار صنعاء الدولي ومحاولة إغلاقه أمام الرحلات الإنسانية التي تقل المرضى والعالقين، وهو ما قرأته صنعاء باعتباره عودة صريحة إلى الحرب ونسفاً لما تبقى من التهدئة. ومن وجهة النظر اليمنية، لم يعد مقبولاً أن تستمر المطارات والموانئ السعودية في العمل بصورة طبيعية، بينما يخضع مطار صنعاء والموانئ اليمنية للحصار والقيود، ولذلك انتقلت المعادلة من المطالبة برفع الحصار إلى فرض كلفة مقابلة على الجهة التي تقوده وتستفيد منه.

وتؤكد صنعاء أن الهدف من الحظر ليس تعطيل التجارة العالمية لذاتها، وإنما الضغط على النظام السعودي لرفع الحصار والانسحاب من اليمن ووقف التحكم في قراره وثرواته ومنافذه. كما ترى أن الرياض تستطيع تجنب كل التداعيات عبر إنهاء الإجراءات المفروضة على اليمن، وفتح مطاراته وموانئه، ووقف التدخل في شؤونه السيادية، بدلاً من تحميل شركات الملاحة والأسواق الدولية نتائج سياسة اختارت السعودية الاستمرار فيها.

لكن هذا الحظر يكتسب خطورة استثنائية إذا تزامن مع استمرار تعطل مضيق هرمز، لأن هرمز وباب المندب يمثلان البوابتين الشرقية والغربية لصادرات الطاقة الخليجية. فإذا توقف هرمز، تتعطل معظم الصادرات البحرية القادمة من السعودية والعراق والكويت وقطر والبحرين والإمارات، ولا يبقى أمام الرياض سوى الاعتماد بصورة أكبر على خط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

أما إذا دخل باب المندب بدوره في حالة إغلاق أو تعطيل واسع، فإن هذا البديل السعودي يفقد جزءاً كبيراً من قيمته الاستراتيجية، لأن النفط المنقول إلى ينبع لن يتمكن من التوجه جنوباً عبر باب المندب نحو الهند والصين والأسواق الآسيوية. وبذلك تصبح السعودية أمام حصار جغرافي مزدوج: صادرات الشرق تواجه هرمز، وصادرات الغرب تواجه باب المندب، فيما يبقى الاتجاه شمالاً عبر قناة السويس مناسباً جزئياً لأوروبا، لكنه لا يمثل مساراً سريعاً أو اقتصادياً للكميات الموجهة إلى آسيا.

ولا يعني إغلاق باب المندب بالضرورة وجود قوة تمنع كل سفينة من المرور، فالمضيق ممر دولي واسع وتوجد فيه تشكيلات بحرية متعددة. السيناريو الأكثر واقعية هو “الإغلاق التجاري”، وهو يتحقق عندما تصبح مخاطر العبور أعلى من قدرة شركات الشحن والتأمين على تحملها، فتبدأ السفن بتغيير مساراتها، وترفض شركات التأمين تغطية الرحلات، أو تفرض أقساطاً باهظة تجعل المرور غير مجدٍ اقتصادياً.

وعندها يمكن أن يبقى المضيق مفتوحاً جغرافياً، لكنه يصبح شبه مغلق بقرار شركات الملاحة والأسواق. وهذا النوع من الإغلاق قد يكون أكثر تأثيراً من الإعلان العسكري الرسمي، لأنه لا يحتاج إلى استهداف كل سفينة، بل يكفي وقوع عمليات متكررة وناجحة خلال فترة قصيرة، واتساع قائمة السفن والشركات المحظورة، وتراجع القدرة على التمييز بين السفن الآمنة وتلك المعرضة للاستهداف.

وفي التقدير السياسي والعسكري، يصبح هذا السيناريو أكثر احتمالاً إذا شنت الولايات المتحدة عدواناً جوياً وبحرياً واسعاً ومفتوح المدة على اليمن بذريعة حماية الملاحة وكسر الحظر البحري. ففي هذه الحالة ستتعامل صنعاء مع البحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما جبهة حرب مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها، لا مجرد ساحة لتطبيق حظر محدود على السفن المرتبطة بالسعودية أو بالأطراف المعادية.

وقد يدفع العدوان الأمريكي الواسع القوات اليمنية إلى توسيع بنك أهدافها ليشمل القطع البحرية المشاركة في الهجمات، والسفن الأمريكية والبريطانية، والسفن التي تتعامل مع موانئ الدول المنخرطة في الحرب، وناقلات الطاقة المرتبطة بتلك الأطراف. وحين تتسع دائرة الاستهداف بهذه الصورة، ستجد شركات الملاحة صعوبة في تحديد مستوى الأمان، وستميل إلى تعليق العبور واختيار طريق رأس الرجاء الصالح.

وهنا تظهر مفارقة استراتيجية شديدة الخطورة: فالحملة الأمريكية التي قد تُشن تحت عنوان “فتح البحر الأحمر وحماية الملاحة” يمكن أن تصبح العامل المباشر الذي يؤدي إلى إغلاقه تجارياً على نطاق أوسع. فصنعاء ستسعى إلى إثبات أن القصف الأمريكي لا يستطيع توفير ممر آمن، وأن محاولة فرض الملاحة بالقوة ستقابل بتوسيع مساحة الخطر ورفع كلفة الحماية العسكرية والتجارية.

ولا يرجح أن يقع الإغلاق دفعة واحدة، بل عبر مسار تدريجي يبدأ بتحذيرات رسمية، ثم توسيع قوائم الشركات والسفن المستهدفة، ثم عمليات متتابعة ضد ناقلات أو سفن مخالفة، يعقبها ارتفاع كبير في أسعار التأمين وأجور الشحن، قبل أن تبدأ الشركات الكبرى بتعليق رحلاتها وإعادة توجيه أساطيلها حول أفريقيا.

ومن أبرز العلامات التي تكشف أن باب المندب دخل مرحلة الإغلاق الفعلي: تغيير عشرات الناقلات وسفن الحاويات مساراتها خلال أيام، وتوقف الخطوط الكبرى عن قبول حجوزات عبر البحر الأحمر، وسحب تغطية مخاطر الحرب، والارتفاع الحاد في أجور الناقلات، وتراجع حركة قناة السويس، وتحول رأس الرجاء الصالح إلى المسار الرئيسي بدلاً من الطريق الاستثنائي.

أما أخطر مؤشر عسكري، فيتمثل في تزامن ضربات أمريكية متكررة على اليمن مع إعلان تشكيل ممر بحري محمي أو عملية عسكرية تهدف إلى كسر الحظر. عندها قد ترى صنعاء أن استمرار الملاحة الطبيعية يمنح واشنطن والرياض نصراً سياسياً، بينما يوفر تعطيلها ورقة ضغط مباشرة على الاقتصاد السعودي والدول الداعمة للحملة.

ويتعاظم الخطر إذا تزامن ذلك مع استمرار إغلاق هرمز، لأن المشهد سيتحول من أزمتين منفصلتين إلى حرب على الممرات البحرية المحيطة بشبه الجزيرة العربية. فهرمز يضرب منابع وإمدادات الطاقة الخليجية، بينما يمنع باب المندب الاستفادة الكاملة من البدائل السعودية على البحر الأحمر ويقطع الطريق الأقصر بين آسيا وأوروبا.

وفي هذه الحالة لن يكون الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح حلاً كاملاً. فهو يمكن أن يخدم السفن الموجودة خارج الخليج أو القادمة من البحر الأحمر، لكنه لا يستطيع مساعدة النفط والغاز المحاصرين خلف هرمز. كما يضيف آلاف الأميال البحرية وأسابيع إلى زمن الرحلات، ويرفع كلفة الوقود والطواقم والتأمين، ويقلل عدد الرحلات السنوية التي تنفذها كل سفينة.

وسيكون الأثر الأول للإغلاق المزدوج قفزة كبيرة في أسعار النفط والغاز، لأن الأسواق ستضيف فوراً “علاوة مخاطر جيوسياسية” مرتفعة قبل أن ينفد أي مخزون فعلي. وإذا طال التعطل، ستنتقل الأزمة من ارتفاعات مضاربية إلى نقص حقيقي في الإمدادات، في ظل محدودية قدرة خطوط الأنابيب والمنتجين من خارج الخليج على تعويض الكميات المفقودة.

وسيكون الغاز الطبيعي المسال أكثر حساسية، لأن صادرات قطر تعتمد بصورة أساسية على المرور عبر هرمز، ولا توجد مسارات برية قادرة على نقل الكميات نفسها. وقد يؤدي ذلك إلى منافسة شديدة بين آسيا وأوروبا على شحنات الغاز القادمة من الولايات المتحدة وأستراليا وأفريقيا، بما يرفع تكلفة الكهرباء والأسمدة والبتروكيماويات والصناعات كثيفة استهلاك الطاقة.

وستكون الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا في مقدمة المتضررين، نظراً لاعتمادها الكبير على نفط وغاز الخليج. وقد تضطر هذه الدول إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية، وزيادة وارداتها من روسيا وأفريقيا والأمريكتين، والتوسع في الفحم، وخفض استهلاك بعض القطاعات أو تقليص الإنتاج الصناعي عند نقص الطاقة.

أما أوروبا فستتلقى الصدمة من اتجاهين: ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، وتعطل طريق التجارة الأقصر مع آسيا عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وكل شحنة غاز تتجه إلى آسيا بسعر أعلى ستخفض المعروض المتاح لأوروبا، بينما تؤدي الرحلات الأطول حول أفريقيا إلى رفع أسعار السلع المستوردة وتأخير وصول المكونات إلى المصانع.

كما سينخفض عملياً حجم أسطول النقل المتاح، لأن طول الرحلات يعني أن السفينة الواحدة ستنفذ عدداً أقل من الرحلات سنوياً. وسيظهر نقص في ناقلات النفط والغاز وسفن الحاويات والحاويات الفارغة، وستتأثر صناعات السيارات والإلكترونيات والأدوية والمواد الكيميائية التي تعتمد على وصول مكوناتها في مواعيد دقيقة.

ولن تبقى التداعيات محصورة في الطاقة والشحن، بل ستنتقل إلى أسعار الغذاء والأسمدة والدواء والبلاستيك والنقل الجوي ومواد البناء والسلع الاستهلاكية. وستكون الدول الفقيرة والمستوردة للطاقة الأكثر تعرضاً للضغط بسبب ارتفاع فواتير الواردات وتراجع العملات وزيادة عجز الموازنات واحتمالات نقص الوقود والمواد الأساسية.

وقد تعيد هذه الصدمة التضخم العالمي إلى الارتفاع، وتدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة أو استئناف التشديد النقدي، بما يضغط على الاستثمار والنمو وأسواق الديون، ويرفع خطر دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود.

وعليه، فإن إغلاق باب المندب بالتزامن مع هرمز لا يزال سيناريو مشروطاً، وليس نتيجة حتمية لكل تصعيد. فإذا بقيت العمليات اليمنية انتقائية ومحددة، وظلت السفن المحايدة قادرة على العبور، فمن المرجح أن يبقى المضيق تحت ضغط مرتفع من دون أن يصل إلى الإغلاق التجاري الشامل.

أما إذا توسع العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، واستهدف الموانئ والمطارات والمنشآت المدنية والقيادات العسكرية، أو جرت محاولة فرض حصار بحري مباشر أو احتلال الساحل والجزر، فإن احتمالات الانتقال إلى “حرب ممرات بحرية مفتوحة” سترتفع بصورة كبيرة.

وفي المحصلة، أعلنت القوات اليمنية الحصار لأنها ترى أن السعودية تريد إبقاء اليمن محاصراً ومحرومًا من مطاراته وموانئه وثرواته، بينما تستمر منشآتها وتجارته وصادراتها في العمل بلا كلفة. وجاءت المعادلة اليمنية لتقول إن من يفرض الحصار لن يبقى بعيداً عن نتائجه، وإن الطريق إلى أمن الملاحة لا يمر عبر قصف اليمن، بل عبر رفع الحصار وإنهاء العدوان واحترام السيادة اليمنية.

وإذا اختارت واشنطن والرياض طريق الحرب بدلاً من إنهاء الحصار، فقد يتحول باب المندب تدريجياً إلى ممر غير قابل للتأمين التجاري، بالتزامن مع تعطل هرمز، وعندها سيواجه العالم أزمة تجمع بين نقص إمدادات الطاقة، وتعطل أقصر طرق التجارة، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف النقل والتأمين، بما قد يجعلها واحدة من أخطر صدمات الاقتصاد العالمي في العقود الأخيرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحرر السياسي
المشهد اليمني الأول
23 يوليو 2026م

باب المندب يدخل دائرة الخطر.. الضربات اليمنية تربك صادرات النفط السعودية وتهدد بتكرار سيناريو هرمز

باب المندب

تتسع تداعيات التصعيد البحري في المنطقة مع انتقال الضغوط إلى مضيق باب المندب، عقب إعلان القوات المسلحة اليمنية استهداف ناقلتين تحملان النفط السعودي، في تطور وضع واحداً من أهم الممرات البحرية العالمية أمام احتمال التحول إلى نقطة اختناق جديدة لصادرات الطاقة والتجارة الدولية.

ووفق المعطيات المتداولة، وقع استهداف الناقلتين غرب ميناء الشقيق السعودي، في منطقة ترتبط بمسارات تصدير النفط نحو الأسواق الآسيوية عبر باب المندب وبحر العرب. ويمنح هذا الموقع للعملية دلالة استراتيجية، إذ يهدد المسار البحري الذي تعتمد عليه السعودية لتصدير جزء كبير من نفطها بعيداً عن مضيق هرمز.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية فرض حصار بحري على الملاحة السعودية وذلك مقابل الحصار القائم عليها من السعودية منذ 2015م في عملية وصفت الحصار بالحصار.

ويمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويعبره نحو 12% من التجارة العالمية ونحو ربع حركة الحاويات المتجهة من قناة السويس وإليها، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة داخله ذا تأثير مباشر على تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

وتزداد حساسية المشهد مع اعتماد الرياض بصورة متزايدة على خط أنابيب النفط الممتد من شرق المملكة إلى موانئ البحر الأحمر، في محاولة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. غير أن انتقال العمليات إلى محيط موانئ الشقيق وينبع يعيد الضغط على البديل السعودي نفسه، ويضع صادرات النفط أمام معضلة مزدوجة في الشرق والغرب.

وأظهرت بيانات تتبع السفن أن التهديدات بدأت تتحول إلى تأثير تشغيلي فعلي، بعدما غيرت ثماني ناقلات مسارها خلال يومين، فيما تراجعت سفينة مخصصة لنقل السيارات عن التوجه إلى ميناء جدة. وبلغت الحمولة المعلنة للسفن التي عدّلت مساراتها ما لا يقل عن 2.5 مليون برميل من النفط كانت متجهة إلى الأسواق الآسيوية.

كما أشارت البيانات إلى أن الناقلتين المستهدفتين تبلغ سعتهما التخزينية الإجمالية نحو 1.8 مليون برميل، وهو ما دفع أسواق الطاقة وشركات الشحن إلى التعامل مع باب المندب بوصفه ساحة اضطراب قائمة، وليس مجرد منطقة معرضة لتهديدات مستقبلية.

وتفرض إعادة توجيه الناقلات من ميناء ينبع عبر رأس الرجاء الصالح كلفة تشغيلية مرتفعة، إذ تضيف قرابة 10 آلاف ميل بحري إلى الرحلة، بما يعادل نحو 34 يوماً إضافياً من الإبحار، وترفع كلفة الشحن بأكثر من خمسة ملايين دولار، فضلاً عن رسوم العبور والتأمين والوقود وعلاوات مخاطر الحرب.

ورغم استمرار بعض السفن في عبور المضيق، فإن الحركة البحرية باتت محكومة بحسابات أكثر تعقيداً. وتواصل ناقلتان صينيتان تحمل كل منهما نحو مليوني برميل من الخام السعودي الإبحار من ينبع نحو الصين، في مؤشر على أن بعض المشترين لا يزالون مستعدين لتحمل المخاطر، مقابل اتجاه سفن أخرى إلى تغيير مساراتها أو تجميد رحلاتها.

وتكمن خطورة السيناريو المقبل في احتمال تحول التهديد العسكري إلى إغلاق تجاري غير معلن، إذا قررت شركات الشحن تجنب المنطقة وامتنعت شركات التأمين عن تغطية السفن العابرة. وعندها لن تكون هناك حاجة إلى إغلاق مادي كامل للمضيق، إذ يكفي ارتفاع المخاطر والتكاليف لشل جانب واسع من حركة التجارة.

وقد انعكست التطورات سريعاً على أسواق النفط، التي سجلت ارتفاعاً بنحو 4% ليقترب سعر البرميل من 98 دولاراً، وسط تقديرات بإمكانية تجاوزه 110 دولارات، وربما بلوغه 120 دولاراً إذا اتسع التصعيد ووصل إلى منشآت تحميل النفط ومرافق التصدير في ميناء ينبع.

ولا تقتصر التداعيات المحتملة على الأسواق الآسيوية، إذ تتجه قرابة 1.5 مليون برميل يومياً من النفط السعودي إلى أوروبا، مقابل نحو ثلاثة ملايين برميل إلى آسيا. وأي تراجع في الإمدادات عبر البحر الأحمر سيؤدي إلى تصاعد المنافسة بين الأسواق الأوروبية والآسيوية على الشحنات المتاحة، ورفع الأسعار بصورة أوسع.

وفي المحصلة، فإن باب المندب لم يعد مجرد ممر ملاحي مهدد، بل أصبح ورقة ضغط استراتيجية قادرة على إعادة رسم طرق الطاقة والتجارة العالمية. وإذا استمرت العمليات واتسعت دائرة الاستهداف، فقد يجد العالم نفسه أمام نسخة جديدة من أزمة هرمز، لكن هذه المرة عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، حيث تصبح صادرات النفط السعودية وكلفة الشحن الدولي في قلب المواجهة.