“خاص”
لم تعلن القوات المسلحة اليمنية فرض الحظر البحري على الملاحة المرتبطة بالسعودية بوصفه خطوة منفصلة عن سياق الحرب، بل قدمته باعتباره رداً مباشراً على حصار ممتد منذ سنوات، وعلى استمرار إغلاق المطارات والموانئ وحرمان اليمنيين من السفر والعلاج واستيراد احتياجاتهم والتصرف بثرواتهم الوطنية. وجاء القرار تحت معادلة واضحة أعلنتها صنعاء: “الحصار بالحصار”، بعد أن اعتبرت أن الرياض لم تتعامل مع مرحلة خفض التصعيد باعتبارها طريقاً نحو السلام، بل استخدمتها لتثبيت القيود الاقتصادية ومواصلة التحكم بحركة الطيران والموانئ والصادرات اليمنية.
وتصاعد الموقف بعد استهداف السعودية مطار صنعاء الدولي ومحاولة إغلاقه أمام الرحلات الإنسانية التي تقل المرضى والعالقين، وهو ما قرأته صنعاء باعتباره عودة صريحة إلى الحرب ونسفاً لما تبقى من التهدئة. ومن وجهة النظر اليمنية، لم يعد مقبولاً أن تستمر المطارات والموانئ السعودية في العمل بصورة طبيعية، بينما يخضع مطار صنعاء والموانئ اليمنية للحصار والقيود، ولذلك انتقلت المعادلة من المطالبة برفع الحصار إلى فرض كلفة مقابلة على الجهة التي تقوده وتستفيد منه.
وتؤكد صنعاء أن الهدف من الحظر ليس تعطيل التجارة العالمية لذاتها، وإنما الضغط على النظام السعودي لرفع الحصار والانسحاب من اليمن ووقف التحكم في قراره وثرواته ومنافذه. كما ترى أن الرياض تستطيع تجنب كل التداعيات عبر إنهاء الإجراءات المفروضة على اليمن، وفتح مطاراته وموانئه، ووقف التدخل في شؤونه السيادية، بدلاً من تحميل شركات الملاحة والأسواق الدولية نتائج سياسة اختارت السعودية الاستمرار فيها.
لكن هذا الحظر يكتسب خطورة استثنائية إذا تزامن مع استمرار تعطل مضيق هرمز، لأن هرمز وباب المندب يمثلان البوابتين الشرقية والغربية لصادرات الطاقة الخليجية. فإذا توقف هرمز، تتعطل معظم الصادرات البحرية القادمة من السعودية والعراق والكويت وقطر والبحرين والإمارات، ولا يبقى أمام الرياض سوى الاعتماد بصورة أكبر على خط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
أما إذا دخل باب المندب بدوره في حالة إغلاق أو تعطيل واسع، فإن هذا البديل السعودي يفقد جزءاً كبيراً من قيمته الاستراتيجية، لأن النفط المنقول إلى ينبع لن يتمكن من التوجه جنوباً عبر باب المندب نحو الهند والصين والأسواق الآسيوية. وبذلك تصبح السعودية أمام حصار جغرافي مزدوج: صادرات الشرق تواجه هرمز، وصادرات الغرب تواجه باب المندب، فيما يبقى الاتجاه شمالاً عبر قناة السويس مناسباً جزئياً لأوروبا، لكنه لا يمثل مساراً سريعاً أو اقتصادياً للكميات الموجهة إلى آسيا.
ولا يعني إغلاق باب المندب بالضرورة وجود قوة تمنع كل سفينة من المرور، فالمضيق ممر دولي واسع وتوجد فيه تشكيلات بحرية متعددة. السيناريو الأكثر واقعية هو “الإغلاق التجاري”، وهو يتحقق عندما تصبح مخاطر العبور أعلى من قدرة شركات الشحن والتأمين على تحملها، فتبدأ السفن بتغيير مساراتها، وترفض شركات التأمين تغطية الرحلات، أو تفرض أقساطاً باهظة تجعل المرور غير مجدٍ اقتصادياً.
وعندها يمكن أن يبقى المضيق مفتوحاً جغرافياً، لكنه يصبح شبه مغلق بقرار شركات الملاحة والأسواق. وهذا النوع من الإغلاق قد يكون أكثر تأثيراً من الإعلان العسكري الرسمي، لأنه لا يحتاج إلى استهداف كل سفينة، بل يكفي وقوع عمليات متكررة وناجحة خلال فترة قصيرة، واتساع قائمة السفن والشركات المحظورة، وتراجع القدرة على التمييز بين السفن الآمنة وتلك المعرضة للاستهداف.
وفي التقدير السياسي والعسكري، يصبح هذا السيناريو أكثر احتمالاً إذا شنت الولايات المتحدة عدواناً جوياً وبحرياً واسعاً ومفتوح المدة على اليمن بذريعة حماية الملاحة وكسر الحظر البحري. ففي هذه الحالة ستتعامل صنعاء مع البحر الأحمر وباب المندب باعتبارهما جبهة حرب مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها، لا مجرد ساحة لتطبيق حظر محدود على السفن المرتبطة بالسعودية أو بالأطراف المعادية.
وقد يدفع العدوان الأمريكي الواسع القوات اليمنية إلى توسيع بنك أهدافها ليشمل القطع البحرية المشاركة في الهجمات، والسفن الأمريكية والبريطانية، والسفن التي تتعامل مع موانئ الدول المنخرطة في الحرب، وناقلات الطاقة المرتبطة بتلك الأطراف. وحين تتسع دائرة الاستهداف بهذه الصورة، ستجد شركات الملاحة صعوبة في تحديد مستوى الأمان، وستميل إلى تعليق العبور واختيار طريق رأس الرجاء الصالح.
وهنا تظهر مفارقة استراتيجية شديدة الخطورة: فالحملة الأمريكية التي قد تُشن تحت عنوان “فتح البحر الأحمر وحماية الملاحة” يمكن أن تصبح العامل المباشر الذي يؤدي إلى إغلاقه تجارياً على نطاق أوسع. فصنعاء ستسعى إلى إثبات أن القصف الأمريكي لا يستطيع توفير ممر آمن، وأن محاولة فرض الملاحة بالقوة ستقابل بتوسيع مساحة الخطر ورفع كلفة الحماية العسكرية والتجارية.
ولا يرجح أن يقع الإغلاق دفعة واحدة، بل عبر مسار تدريجي يبدأ بتحذيرات رسمية، ثم توسيع قوائم الشركات والسفن المستهدفة، ثم عمليات متتابعة ضد ناقلات أو سفن مخالفة، يعقبها ارتفاع كبير في أسعار التأمين وأجور الشحن، قبل أن تبدأ الشركات الكبرى بتعليق رحلاتها وإعادة توجيه أساطيلها حول أفريقيا.
ومن أبرز العلامات التي تكشف أن باب المندب دخل مرحلة الإغلاق الفعلي: تغيير عشرات الناقلات وسفن الحاويات مساراتها خلال أيام، وتوقف الخطوط الكبرى عن قبول حجوزات عبر البحر الأحمر، وسحب تغطية مخاطر الحرب، والارتفاع الحاد في أجور الناقلات، وتراجع حركة قناة السويس، وتحول رأس الرجاء الصالح إلى المسار الرئيسي بدلاً من الطريق الاستثنائي.
أما أخطر مؤشر عسكري، فيتمثل في تزامن ضربات أمريكية متكررة على اليمن مع إعلان تشكيل ممر بحري محمي أو عملية عسكرية تهدف إلى كسر الحظر. عندها قد ترى صنعاء أن استمرار الملاحة الطبيعية يمنح واشنطن والرياض نصراً سياسياً، بينما يوفر تعطيلها ورقة ضغط مباشرة على الاقتصاد السعودي والدول الداعمة للحملة.
ويتعاظم الخطر إذا تزامن ذلك مع استمرار إغلاق هرمز، لأن المشهد سيتحول من أزمتين منفصلتين إلى حرب على الممرات البحرية المحيطة بشبه الجزيرة العربية. فهرمز يضرب منابع وإمدادات الطاقة الخليجية، بينما يمنع باب المندب الاستفادة الكاملة من البدائل السعودية على البحر الأحمر ويقطع الطريق الأقصر بين آسيا وأوروبا.
وفي هذه الحالة لن يكون الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح حلاً كاملاً. فهو يمكن أن يخدم السفن الموجودة خارج الخليج أو القادمة من البحر الأحمر، لكنه لا يستطيع مساعدة النفط والغاز المحاصرين خلف هرمز. كما يضيف آلاف الأميال البحرية وأسابيع إلى زمن الرحلات، ويرفع كلفة الوقود والطواقم والتأمين، ويقلل عدد الرحلات السنوية التي تنفذها كل سفينة.
وسيكون الأثر الأول للإغلاق المزدوج قفزة كبيرة في أسعار النفط والغاز، لأن الأسواق ستضيف فوراً “علاوة مخاطر جيوسياسية” مرتفعة قبل أن ينفد أي مخزون فعلي. وإذا طال التعطل، ستنتقل الأزمة من ارتفاعات مضاربية إلى نقص حقيقي في الإمدادات، في ظل محدودية قدرة خطوط الأنابيب والمنتجين من خارج الخليج على تعويض الكميات المفقودة.
وسيكون الغاز الطبيعي المسال أكثر حساسية، لأن صادرات قطر تعتمد بصورة أساسية على المرور عبر هرمز، ولا توجد مسارات برية قادرة على نقل الكميات نفسها. وقد يؤدي ذلك إلى منافسة شديدة بين آسيا وأوروبا على شحنات الغاز القادمة من الولايات المتحدة وأستراليا وأفريقيا، بما يرفع تكلفة الكهرباء والأسمدة والبتروكيماويات والصناعات كثيفة استهلاك الطاقة.
وستكون الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا في مقدمة المتضررين، نظراً لاعتمادها الكبير على نفط وغاز الخليج. وقد تضطر هذه الدول إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية، وزيادة وارداتها من روسيا وأفريقيا والأمريكتين، والتوسع في الفحم، وخفض استهلاك بعض القطاعات أو تقليص الإنتاج الصناعي عند نقص الطاقة.
أما أوروبا فستتلقى الصدمة من اتجاهين: ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، وتعطل طريق التجارة الأقصر مع آسيا عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وكل شحنة غاز تتجه إلى آسيا بسعر أعلى ستخفض المعروض المتاح لأوروبا، بينما تؤدي الرحلات الأطول حول أفريقيا إلى رفع أسعار السلع المستوردة وتأخير وصول المكونات إلى المصانع.
كما سينخفض عملياً حجم أسطول النقل المتاح، لأن طول الرحلات يعني أن السفينة الواحدة ستنفذ عدداً أقل من الرحلات سنوياً. وسيظهر نقص في ناقلات النفط والغاز وسفن الحاويات والحاويات الفارغة، وستتأثر صناعات السيارات والإلكترونيات والأدوية والمواد الكيميائية التي تعتمد على وصول مكوناتها في مواعيد دقيقة.
ولن تبقى التداعيات محصورة في الطاقة والشحن، بل ستنتقل إلى أسعار الغذاء والأسمدة والدواء والبلاستيك والنقل الجوي ومواد البناء والسلع الاستهلاكية. وستكون الدول الفقيرة والمستوردة للطاقة الأكثر تعرضاً للضغط بسبب ارتفاع فواتير الواردات وتراجع العملات وزيادة عجز الموازنات واحتمالات نقص الوقود والمواد الأساسية.
وقد تعيد هذه الصدمة التضخم العالمي إلى الارتفاع، وتدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة أو استئناف التشديد النقدي، بما يضغط على الاستثمار والنمو وأسواق الديون، ويرفع خطر دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود.
وعليه، فإن إغلاق باب المندب بالتزامن مع هرمز لا يزال سيناريو مشروطاً، وليس نتيجة حتمية لكل تصعيد. فإذا بقيت العمليات اليمنية انتقائية ومحددة، وظلت السفن المحايدة قادرة على العبور، فمن المرجح أن يبقى المضيق تحت ضغط مرتفع من دون أن يصل إلى الإغلاق التجاري الشامل.
أما إذا توسع العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، واستهدف الموانئ والمطارات والمنشآت المدنية والقيادات العسكرية، أو جرت محاولة فرض حصار بحري مباشر أو احتلال الساحل والجزر، فإن احتمالات الانتقال إلى “حرب ممرات بحرية مفتوحة” سترتفع بصورة كبيرة.
وفي المحصلة، أعلنت القوات اليمنية الحصار لأنها ترى أن السعودية تريد إبقاء اليمن محاصراً ومحرومًا من مطاراته وموانئه وثرواته، بينما تستمر منشآتها وتجارته وصادراتها في العمل بلا كلفة. وجاءت المعادلة اليمنية لتقول إن من يفرض الحصار لن يبقى بعيداً عن نتائجه، وإن الطريق إلى أمن الملاحة لا يمر عبر قصف اليمن، بل عبر رفع الحصار وإنهاء العدوان واحترام السيادة اليمنية.
وإذا اختارت واشنطن والرياض طريق الحرب بدلاً من إنهاء الحصار، فقد يتحول باب المندب تدريجياً إلى ممر غير قابل للتأمين التجاري، بالتزامن مع تعطل هرمز، وعندها سيواجه العالم أزمة تجمع بين نقص إمدادات الطاقة، وتعطل أقصر طرق التجارة، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف النقل والتأمين، بما قد يجعلها واحدة من أخطر صدمات الاقتصاد العالمي في العقود الأخيرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحرر السياسي
المشهد اليمني الأول
23 يوليو 2026م